ما هي الحكمة من تعدّد الزّوجات؟

0

تُعدّ مسألة تعدّد الزّوجات من المسائل ذات الأهميّة البالغة في المُجتمعات عامةً، وفي المجتمعات الإسلاميّة بشكلٍ خاص، فقد كان لتلك المَسألة ظهورٌ وصدى واضح بين باقي الأديان، حتى جعلها بعض المُشكّكين في صدق نبوة محمد – صلى الله عليه وسلم – حجةً على موقفهم من نبوّته – عليه الصلاة والسلام – وجعل منها أعداء الإسلام منقصةً تُسيء له، فبدأ بعض المُسلمين بحسن نيةٍ تبيين موقف الإسلام من تعدّد الزوجات فذهبوا إلى أقوال وروايات وتفسيرات ما أنزل الله بها من سلطان، حتى لا يُساء إلى الإسلام، كقول بعضهم إنّ الأصل في الإسلام عدم التعدّد، وقال فريقٌ إنّ التعدّد أمرٌ ثانوي، فأساؤوا في حين كان هدفهم الإفادة، فهل حقاً لتعدّد الزوجات حكمةٌ في الإسلام؟ وهل أنّ الأصل في الزواج التعدّد أم الواحدة؟ وماذا يترتّب من فوائد للتعدّد في المُجتمعات والأمم عامة.

معنى الزواج لغةً واصطلاحاً
الزواج أو النكاح لغة
الزواج لغةً: مصدر زوَّجَ يُزوِّج، تزويجًا، فهو مزوِّج، والمفعول مزوَّج، ويقال: زوَّج فلانًا امرأةً: أي جعله يتزوَّجها أو أنكحه إيّاها، قال تعالى: (وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ)، وزوَّج فلانًا بامرأةٍ، عقد له الزواج عليها، أي زوّجه المأذون بعقدٍ شرعيّ، وزوَّج الشَّيءَ بالشَّيء، وزوَّج الشَّيءَ إلى الشَّيء: أي قرنه به، قال تعالى: (وإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ)، أي: قُرنت بأجسادها أو بأشكالها أو بأعمالها، والنكاح: من نكح، ونَكَحَ فُلَانٌ امرأَة يَنْكِحُها نِكاحاً إِذا تَزوجها، ونَكَحَها يَنْكِحُها: بَاضَعَهَا أَيضاً.

الزواج اصطلاحاً
للزواج أو النكاح في الاصطلاح الفقهي عدّة تعريفات عند العلماء، منها: قيل: هو عقدٌ يرد على تملك المتعة قصداً، وعرّفه الشافعية بأنّه: عقد يتضمّن إباحة وطء باللفظ الآتي، بينما عرَّف المالكية الزواج بأنه: عقدٌ على مجرّد متعة التلذّذ بآدمية غير موجبٍ قيمتها ببينة قبله، غير عالمٍ عاقده حرمتها إن حرمها الكتاب على المشهور، أو الإجماع على غير المشهور.

حكم تعدد الزوجات
صرَّح الفقهاء إلى أنّ الأصل في حكم تعدّد الزّوجات الجواز، ودليل ذلك ما جاء في كتاب الله سبحانه وتعالى من نصوصٍ تفيد ذلك منها قوله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا)،[٧] ولفعل النبي -صلى الله عليه وسلم- وإجماع الصحابة على ذلك، فقد لوحظ في اجتهاداتهم أنّ التعدّد يخضع للأحكام التكليفيّة الخمسة كما هو الأمر في الزواج؛ وهي: الوجوب، والتحريم، والاستحباب والكراهة والندب، ويتبع ذلك للحالة التي يَنبني عليها التعدّد ويرجع لها.

إن كان في التعدّد ضرورةٌ حتمية كطلب النسل لمن لم ينجب من زوجته الأولى، أو من كان بزوجته مرضٌ يصعب معه مُعاشرتها فيتزوج ليُعفَّ نفسه عن الحرام، ففي مثل تلك الحالات يكون التعدّد واجباً، والوجوب هنا لا يكون إلا في حالة الخشية من الوقوع في المعاصي، وبيان ذلك من خلال النقاط الآتية:

إن كانت الزوجة الأولى مُصابةً بمرضٍ يَستحيل معه إمكانيّة حصول المعاشرة الزوجية فإن ذلك يُعتبر من دوافع الوقوع في المعاصي فيكون حكم التعدّد في هذه الحالة الوجوب حِفظاً للزوج من الوقوع في الحرام إن كان ممن لا يصبر على ذلك.

ممّا يجعل الزواج الثاني واجباً عدم قدرة الزوجة الأولى على الإنجاب، حيث إنّ الأصل في الزواج التناسل والتكاثر، وإنّ الغريزة البشرية قائمة على حب الولد فيكون المرء في ذلك الحال بأمس الحاجة للزواج إلا إن كان هو نفسه يرى غير ذلك لعَجزه مَثلاً عن الزواج الثاني مادياً، أو لعدم رغبته في الزواج على زوجته الأولى أو لعدم توفر القدرة المعنوية عنده لخشيته من عدم العدل بينهما، ويُؤكد على أنّ الوجوب لا يكون إلّا عند الخشية من الوقوع في المعاصي.

يُستحبّ التعدّد لمن كانت لديه القدرة البدنية والمالية عليه مع قدرته على العدل بين زوجاته، ويندب لمن أراده لسببٍ شرعي كتكثير سواد المسلمين، أو التقليل من نسبة العنوسة بين النساء، أو لمن خشي على نفسه الوقوع في الإثم لعدم اكتفائه بواحدة، ويُكره التعدد لمن كانت لديه القدرة المالية والجسديّة، ولكن غلب عليه الظن بعدم القدرة على العدل بين الزوجات.

يُحرّم التعدّد على من لم تكن له القدرة المالية على الزواج، أو من كان لديه ضعفٌ جنسي يضرّ به ولا يُمكن معه القدرة على تلبية رغبات زوجته أو زوجاته، أو من اعتقد عدم قدرته على العدل بين الزوجات، أو غلب عليه الظنّ بأنه سيظلم إحدى زوجاته إن لجأ إلى التعدّد ولم تكن له حاجةٌ في الزواج.

هل الأصل في الزواج التعدد؟
إنّ مسألة التعدُّد من المسائل التي حازت على عناية العلماء عُموماً سواء بذلك علماء الأصول، وعلماء الفقه، وعلماء اللغة حتى، وذلك لما تَعتريها من الأحكام والمَسائل والخلافات والتجاذبات، ولما فيها من خوض في الإسلام وأحكامه وتعاليمه وصحته، وقد اختلف العلماءُ في أصل مسألة التعدّد في الشريعة، فقال فريقٌ إنّ الأصل في الزواج الإفراد، ويرى فريقٌ آخر إنّ الأصل فيه التعدّد، وفيما يلي رأي كل فريقٍ من العلماء مع دليله:

الفريق الأول: يرى أصحاب هذا الفريق أنّ الأصل في النكاح التعدّد، وحجتهم في ذلك قول الله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا)، وقال أصحاب هذا الرأي إنّ دلالة النص تشير إلى ذلك حيث إنّه الله – سبحانه وتعالى – في هذه الآية بدأ بذكر الأصل الذي هو التعدد، ويظهر ذلك في قوله تعالى: (مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ) ثم انتقل إلى الفرع وهو الواحدة فقال: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً)؛ فدلَّ النص على أنّ الإفراد لا يكون إلا لمن خَشي أن لا يعدل بين زوجاته إن عدَّد، فيكون الأصل التعدد.

الفريق الثاني: يرى أصحاب هذا الفريق أنّ الأصل في الزّواج الإفراد، وأنّ التعدّد لا يكون إلا في حالة الاضطرار أو الحاجة إليه ضمن شروط وأحوال خاصة، وذلك لأنّ الله سبحانه وتعالى قال: (وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ)، فدلَّ مفهوم الآية أن العدل يستحيل تحققه بين الزوجات ولو مع الحرص عليه؛ ممّا يُشير إلى أنّ الأصل الواحدة لتعذّر تحقق شرط جواز التعدد وهو العدل، وبما أن الأساس متعذرٌ إلا لقادرٍ عليه فكان الأولى أن يكون الأصل ملائماً للغالب الذي هو الإفراد لا التعدد.

الحكمة من تعدّد الزّوجات
لم يُشرع في الإسلام أمرٌ إلا وكان فيه خيرٌ للناس، كما أنه لم يرد في الإسلام تحريم إلا ما يُلحق الضرر بالأفراد أو المجتمعات، ولذلك فإن لمشروعيّة التعدّد في الإسلام أحكام وحِكم، يعلمها من علمها ويجهلها من جهلها، ويُمكن إجمال بعض حِكم التعدّد بين الزوجات في الآتي:

– التعدّد باب لتكثير شباب الأمة الإسلامية: إنّ الإسلام قد دعا إلى التناسل لتكثير سواد الأمّة الإسلامية، وذلك لا يأتي من خلال الزواج الشرعي، لذلك كان التعدّد باباً لتكثير سواد الأمة الإسلامية وتغليب فئة الشباب الفاعل في المجتمع على فئة العجزة والكبار في السن التي تكون في العادة مُستهلكةً لا منتجة، وذلك يؤثر إيجاباً في قوة المجتمعات الإسلامية ويزيدها فتوةً ونشاطاً ويجعلها مجتمعات مُنتجة بدل أن تكون أمّةً مستهلكة.

التقليل من ظاهرة العنوسة عند النساء: أثبتت الإحصائيات أنّ نسبة النساء أعلى من نسبة الرجال في المُجتمعات عامةً، وهو ما يُعزّز ظاهرة العنوسة في المجتمعات ويزيدها، ويُعزى ذلك إلى مشاركة الرّجال في الحروب والمعارك وتَعرّضهم لمخاطر الحياة العامة في الأعمال الشاقة ممّا يؤدّي إلى تَعرّضهم للكوارث الطبيعيّة أو العالمية بشكل أظهر من النساء؛ حيث إنّ المرأة في الغالب تستعيض عن العمل بعناية بيتها وأولادها وزوجها، ويُسهم التعدّد في حلّ تلك الظاهرة والتقليص منها بشكلٍ لافت.

التعدد سبيلٌ لحل المشاكل الأخلاقية التي تنشأ في المجتمعات: من المشاكل التي يحلها التعدد الزّنا، والفواحش، وغير ذلك؛ حيث إنّ بعض الرجال تكون لديهم قدرةٌ عالية تجعلهم لا يكتفون بزوجة واحدة، فكان التعدّد حلاً لمثل هؤلاء الرجال حتى لا يلجؤون للحرام، كما أنّه يُمكن أن تكون الزوجة الواحدة مُصابةً بعلّةٍ أو داء يجعل زوجها لا يتمكّن من أخذ حاجته منها مما يدفعه للوقوع في المحرمات، فكان التعدّد باباً لحل مثل تلك المشكلات.

اترك رد