هل تعلم أول من صام؟

0

تعريف الصيام

الصيام في اللغة: هو الإمساك عن الشيء والكفُّ عنه، ومنه قوله تعالى: (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا).[١]
الصيام شرعاً: هو الإمساك عن شهوات البطن والفرج، وما يحلُّ مقامهما خلافاً للهوى، طاعةً لله عز وجلّ، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، مع عقد النية قبل الفجر أو معه إن أمكن في أيامٍ، عدا أيام الأعياد، وزمن الحيض والنّفاس.[٢]

متى فرض الصيام

كان الصيام مشروعاً عند الأمم السابقة، وعند أهل الكتاب ممّن عاشوا في زمن النبيّ -عليه الصّلاة والسّلام- وقد ذُكر ذلك في كتاب الله، إلا أنّ أمّة محمد -عليه الصّلاة والسّلام- خُصّصت بفرض الصيام في شهر رمضان تحديداً، حيث إنّه لم يكن مُحدّداً لأحد قبل ذلك، فالتقت هذه الأمّة مع الأمم السابقة في أصل فرض الصوم، واختلفت في تحديد وقت الصيام بشهر واحد والذي هو شهر رمضان المُبارك، وكان فرض هذا الشهر في شعبان من السنة الثانية للهجرة؛ حيثُ كُتِبَ صيام رمضان للمرّة الأولى وكان تخييراً؛ أي أنّ من أراد الصيام صام ومن شاء افتدى؛ أي أطعم عن كل يومٍ أفطره مسكيناً، ثمّ بعد ذلك كُتِبَ الصيام عَيناً، أي أنّه لا بُدّ للإنسان من أن يصوم، فكان ذلك على مَرحلتين؛ الأولى التخيير، والثانية التّعيين.[٣].

أول من صام

ذهب بعض العلماء إلى القول بأنّ أول من صام هو آدم -عليه السّلام-، وقالوا بذلك استناداً إلى امتناع آدم عن الأكل من الشجرة التي نهاه الله تعالى عنها، كما امتنعت حوّاء معه عن الأكل من الشجرة امتثالاً لأمر الله، فاعتبر العلماء امتناع آدم وحواء عن الأكل من هذه الشجرة صياماً، استمر آدم وحواء في صيامهم هذا عن ثمار تلك الشجرة حتّى أغواهما إبليس.[٤]

ذكر القرطبيّ أنّ أهل التاريخ قالوا: (إنّ أول من صام هو النبي نوح -عليه السّلام-، حيث صام بعدما خرج من السفينة)، وقال بعض العلماء: (إنّ الصيام فُرض قبل نوح -عليه السّلام-)، وهم بهذا القول يدعمون فكرة أنّ الصيام بدا وكتبه الله على جميع البشر وعلى جميع الأمم منذ خلق البشر، وهذا يؤكّد أن الصيام بَدأ من عهد آدم -عليه السلام-؛ لأن الله سبحانه وتعالى كتبه على جميع الأمم؛ وذلك استناداً إلى قوله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).[٥] ودلالة الآية الكريمة وقول العلماء السابق أنّ الصيام قد فُرض قديماُ قبل عصر نوح -عليه السّلام-، فلم يختصّ بالفرضيّة في عهد رسول الله محمد -عليه الصّلاة والسّلام-.[٦]

أنواع الصّيام

الصّوم نوعان:[٧]

صوم عن المُفطِرات، كالطعام والشراب والشهوة، فهذا فرضٌ على المؤمنين في نهار رمضان، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس طيلة أيام الشهر المُبارك.

صومٌ عن الآثام والحرام، وهذا النوع واجبٌ في جميع الأوقات، ولهذا كان على كل جوارح العبد صيام؛ ويكون عن الكذب والنميمة والغيبة والسُخرية ونحو ذلك، والأذن عليها صيامٌ، وصيام الأذن الكفّ عن سماع كلّ ما هو حرام، ويُقاس على ذلك جميع الأعضاء.

أهميّة الصيام

للصيام فوائد كثيرة من الناحيتين الماديّة والروحيّة تُلخَّص فيما يأتي:[٨]

الثواب العظيم من الله تعالى، فهو ثوابٌ مفتوحٌ لا حدود له؛ لأنّ أجره على الله تعالى، يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ في الحديث القدسيّ: (كلُّ عمَلِ ابنِ آدمَ له إلا الصيامَ؛ فهو لِي وأنا أجزِي بِهِ، إنَّمَا يتْرُكُ طعامَهَ وشَرَابَهُ مِن أجْلِي، فصيامُهُ لَه وأنا أجزِي بِه، كلُّ حسنةٍ بعشرِ أمثالِهَا إلى سبعمائِةِ ضعفٍ، إلا الصيامَ فهو لِي وأنا أجزِي بِهِ).[٩]

نيل رضوان الله تعالى واستحقاق دخول الجنة من باب الريّان الذي خَصّصه رب العِزّة للصائمين، ففي الحديث عن سهل بن سعد أنّ النبي -عليه الصّلاة والسّلام- قال: (إنَّ في الجنةِ بابًا يقالُ له: الريَّانُ يقالُ يومَ القيامةِ: أين الصَّائمون؟ هل لكم إلى الريَّانِ؟ من دخلَهُ لم يظمأْ أبدًا فإذا دخلوا أغلِقَ عليهم، فلم يدخلْ فيه أحدٌ غيرُهم).[١٠]

أن ينأى المسلم بنفسه عن غضب الله تعالى؛ لأنّه كفارةٌ للذنوب من عام لآخر، (رغِمَ أنْفُ رجلٍ ذكِرْتَ عندهُ فلم يُصِلّ عليّ ورغمَ أنفُ رجلٍ دخل عليه رمضانَ ثم انْسَلَخ قبل أن يُغْفر لهُ ورغمَ أنفُ رجل أدركَ عنده أبواهُ الكبر فلم يُدْخلاهُ الجنةَ).[١١]

تحقيق التقوى والتي هي امتثالٌ لأوامر الله واجتنابٌ لنواهيه، ويظهر هذا جليّاً في قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)،[١٢] إضافةً لما يتعلّمه المسلم من خصالٍ كثيرةٍ؛ لأنّ الصوم مدرسةٌ أخلاقيّةٌ كُبرى، يتدرّب فيها المُؤمن على جهاد النفس، ومُقاومة الأهواء ونزعات الشياطين.

أما أهميّة الصيام للجسم فهو يُساعد على القيام بعمليّة الهدم والتخلّص من الخلايا الزّائدة عن الحاجة، وكذلك الخلايا القديمة، لذا يُعدّ النظام المُتّبع في الإسلام للصوم النظام المثاليّ لتنشيط عمليتَيّ البناء والهدم، خلافاً لما كان يعتقده الناس بأن الصوم يُؤدّي للهزال والضّعف، بشرط أن يكون الصيام بشكلٍ معقولٍ كما هو في الإسلام؛ حيث فُرِض الصيام فرضاً شهراً واحداً وهو شهر رمضان، أما بعد ذلك فيُسَنّ لهم صيام ثلاثة أيامٍ كلّ شهر عن أبي ذر -رضي الله عنه- عن النبي -عليه الصّلاة والسّلام- قال: (من صام من كلِّ شهرٍ ثلاثةَ أيَّامٍ فذلك صيامُ الدَّهرِ).[١٣]

حكم الصيام

الصّيام فرضٌ عظيمٌ من الفروض التي شرعها الله سبحانه وتعالى لهذه الأمّة، وهو أحد أركان الإسلام، وهو من العبادات التي تهدف إلى تزكية النّفس ورياضتها، وفي ذلك صلاح حال المجتمع والفرد، وابتُدِئَت الآية الكريمة بالنداء لما فيه من إظهارٍ للعناية بما سيتبع هذا الأسلوب من كلامٍ مُهمّ، ألا وهو فرضيّة الصيام في رمضان خاصّةً وباقي أيام السّنة عامّةً، وفي كلمة (كَتَبَ) أمرٌ ملزمٌ للمؤمنين، بل ويأتي هنا ركناً من أركان الإسلام.[١٤] عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -عليه الصّلاة والسّلام-: (بُنِيَ الإسلامُ على خَمسٍ؛ علَى أنْ يعبَدَ اللهُ ويُكْفَرَ بمَا دونَهُ، وإقامِ الصلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، وحجِّ البيتِ، وصومِ رمضانَ).[١٥]

 

المراجع

  1. ↑ سورة مريم، آية: 26.
  2. ↑ الحاجّة كوكب عبيد ( 1406 هـ – 1986 م)، فقه العبادات على المذهب المالكي (الطبعة الأولى)، دمشق – سوريا: مطبعة الإنشاء، صفحة 303، جزء 1.
  3. ↑ محمد بن صالح العثيمين (.)، جلسات رمضانية ، صفحة 2، جزء 7.
  4. ↑ محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري ( 1420 هـ – 2000 م)، جامع البيان في تأويل القرآن (الطبعة الأولى)، صفحة 526، جزء 1.
  5. ↑ سورة البقرة، آية: 183.
  6. ↑ أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني (1419 هـ -1998م)، اللباب في علوم الكتاب (الطبعة الأولى)، بيروت – لبنان: دار الكتب العلمية، صفحة 277، جزء 3.
  7. ↑ أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي (1435هـ – 2014م)، شرح شمائل النبي صلى الله عليه وسلم (الطبعة الأولى)، الرياض – المملكة العربية السعودية: مطبعة الحميضي، صفحة 325.
  8. ↑ وهبة الزحيلي (1409هـ – 1989م)، الفقه الإسلامي وأدلته (الطبعة الثالثة)، دمشق – سوريا: دار الفكر، صفحة 567، جزء 2.
  9. ↑ رواه أحمد شاكر، في مسند أحمد، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 13/239 .
  10. ↑ رواه الألباني، في صحيح النسائي، عن سهل بن سعد الساعدي، الصفحة أو الرقم: 2236.
  11. ↑ رواه الترمذي، في سنن الترمذي، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 3545.
  12. ↑ سورة البقرة، آية: 183.
  13. ↑ رواه المنذري، في الترغيب والترهيب، عن أبي ذر الغفاري، الصفحة أو الرقم: 2/135، خلاصة حكم المحدث : صحيح أو حسن.
  14. ↑ محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي (1984م)، التحرير والتنوير، تونس: الدار التونسية للنشر، صفحة 154، جزء 2.
  15. ↑ رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن عبد الله بن عمر، الصفحة أو الرقم: 16، خلاصة حكم المحدث : صحيح.

اترك رد